
تقديم الدكتور عبد اللطيف (للطبعة الثانية)
يأتي هذا الكتاب في فصولٍ متكاملة، يفتتحها المؤلف بتحفيزاتٍ غنية، يعقبها بإطلالةٍ على تاريخ العرب ودياناتهم، كالأحناف، قبل أن ينتقل إلى مكة وما احتوته، ومن ثم إلى سيرة النبي محمد ونشأته الأولى.
غير أنّ الكتاب، في تمهيداته الأولى وتحفيزاته الذهنية، يأخذ القارئ في رحلةٍ استثنائية قلّ أن يجد العقل لها نظيرًا؛ رحلة تُشحذ فيها الأذهان، وتستنير بها القلوب، وتنفتح أمام الإنسان آفاقٌ واسعة من الحكمة والبصيرة. وهي مقدمات تحفيزية زاخرة بالصور والتشبيهات والالتفاتات الدقيقة، يستلهمها القارئ من فكر المؤلف الذي بثّ في هذا العمل خلاصة تأملاته، فلا يجرؤ على خوض غمارها إلا قويّ القلب؛ لكنه ما إن يخرج منها حتى يكون قد تبدّلت نظرته للحياة، وامتلك عقلًا لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه.
ثم يشرع الكتاب في فتح بوابةٍ أخرى من المعرفة، حيث يمتزج المنطق بالحجج البالغة مع عاطفةٍ جياشة، يناقش فيها المؤلف بجرأة قضايا ضحايا حروب الإسلام الأولى، مسلّطًا الضوء على ما رافق تلك المرحلة من أحداث، كالسبي والقتل باسم الدين، ومستعرضًا تفاصيل السرايا والغزوات عرضًا دقيقًا مشوّقًا.
إنه كتاب يسعى إلى تفكيك البنية التقليدية للنبوة، ويكشف بجرأة عن جوانب من تاريخ الرسالة. وهو عمل يستحق القراءة دون تردد، بل يكاد القارئ لا يفرغ منه إلا وقد تخلّص من شطرٍ كبير من شكوكه؛ إذ يأخذه من ظلمات التردد إلى نور المعرفة، ويعينه على فهم الصراعات الفكرية والتناقضات التي ربما عاشها في صمت، إما لغياب التدبّر أو لنقص المعرفة.
ويختتم المؤلف هذه الرحلة بعرضٍ تفصيلي للأيام الأخيرة من حياة النبي محمد، وما أعقب وفاته بيومين، متتبعًا كيف اشتعل الصراع على السلطة والخلافة بين أصحابه منذ اللحظات الأولى.
إنه كتاب عظيم في محتواه، بديع في طرحه، بليغ في حجّته، حادّ في نقده، لاذع في تقريعه. يستحق بجدارة أن يُقرأ، ولا يسعني في ختام هذه الكلمات إلا أن أتقدّم بخالص الشكر والتقدير لمؤلفه، شمس المعرفة، المحسن، الذي أحسن إخراج هذا العمل وتأليفه، وبذل فيه جهدًا جبارًا، وقدّم مادةً معرفية قيّمة يصعب العثور على نظيرٍ لها في كتابٍ آخر.
راجيًا للقارئ رحلةً ممتعة مع هذا الكتاب، ينطلق من خلالها من بوابةٍ إلى أخرى، نحو آفاقٍ رحبةٍ مفعمةٍ بالنور والبصيرة.
الدكتور عبد اللطيف …
